ابن قيم الجوزية

130

معجم التداوى بالأعشاب والنبات الطبية

إلى الأرض الجرز التي لا نبات لها ، فيخرج به زرعا ، تأكل منه الأنعام والأنام ، ولما كات الأرض التي يسوقه إليها إبليزا « 1 » صلبة ، إن أمطرت مطر العادة ، لم ترو ، ولم تتهيأ للنبات ، وإن أمطرت فوق العادة ، ضرّت المساكن والسّاكن ، وعطّلت المعايش والمصالح ، فأمطر البلاد البعيدة ، ثم ساق تلك الأمطار إلى هذه الأرض في نهر عظيم ، وجعل سبحانه زيادته في أوقات معلومة على قدر ريّ البلاد وكفايتها ، فإذا أروي البلاد وعمّها ، أذن سبحانه بتناقصه وهبوطه لتتم المصلحة بالتمكن من الزرع ، واجتمع في هذا الماء الأمور العشرة التي تقدم ذكرها ، وكان من ألطف المياه وأخفها وأعذبها وأحلاها . ماء البحر : ثبت عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال في البحر : « هو الطّهور ماؤه الحلّ ميتته » . وقد جعله اللّه سبحانه ملحا أجاجا مرا زعاقا لتمام مصالح من هو على وجه الأرض من الآدميين والبهائم ، فإنه دائم راكد كثير الحيوان ، وهو يموت فيه كثيرا ولا يقبر ، فلو كان حلوا لأنتن من إقامته وموت حيواناته فيه وأجاف ، وكان الهواء المحيط بالعالم يكتسب منه ذلك ، وينتن ويجيف ، فيفسد العالم ، فاقتضت حكمة الرب سبحانه وتعالى أن جعله كالملّاحة التي لو ألقي فيه جيف العالم كلّها وأنتانه وأمواته لم تغيره شيئا ، ولا يتغير على مكثه من حين خلق ، وإلى أن يطوي اللّه العالم ، فهذا هو السبب الغائي الموجب لملوحته . وأما الفاعلي ، فكون أرضه سبخة مالحة . وبعد فالاغتسال به نافع من آفات عديدة في ظاهر الجلد ، وشربه مضرّ بداخله وخارجه ، فإنه يطلق البطن ، ويهرل ، ويحدث حكّة وجربا ، ونفخا وعطشا ، ومن اضطر إلى شربه فله طرق من العلاج يدفع بها مضرته .

--> ( 1 ) طين الإبليزا . هو راسب الطيني من نيل مصر العظيم بعد ان يتحسن عن الأرض .